اعتراف بالتقصير - أحمد علي سليمان

لقد كشفَ الزمانُ ليَ القِناعا
ومَدَّ إليَّ صرفُ الدَّهر باعا

وآذتْني المصائبُ وهي تترى
وزادتْ صاعَ ما ألقاهُ صاعا

فألفيتُ الدِّيارَ بلا أمان
وظلمُ الناس يَزدَردُ البقاعا

وفاض الدَّمعُ والأعيانُ هيضتْ
وعزى القلبُ أعياناً دِماعا

وقلبي انصاعَ للأحزان تلوي
تماسكَه ، وبارك الانصياعا

وبات صُمودُه أمراً محالاً
وأمرُ سقوطه في الناس ذاعا

وما كنتُ الشُّجاعَ يصد كيداً
وفي الصَّدَمات ما كنتُ الشُّجاعا

وأهلُ الحق ما انتصَروا لحق
فبات الحق يَلتمِسُ الدِّفاعا

وجُندُ الحق باعوهُ ببخس
وداخلَ صفهم وَقدُوا النِزاعا

وأهلُ السُّوء كالقطعان عاثوا
فساداً أورثَ الدارَ الضَّياعا

وفلكُ الخير تُغرقها المَنايا
ومَوجُ البحر أفقدَها الشِّراعا

ومجريها ومرسيها إلهي
وإنْ ألِفتْ لِمَا تلقى اختضاعا

متى ترسُو على الجُودِيِّ يوماً
لِتنقِذ إنْ نجَتْ إرثاً مُضاعا؟

و(عنترُ) بالبطولة باهى ووفى
وصَحْبٍ في الوَغى فاقوا السِّباعا

وفاخر بالقبيلة والبوادي
وأهل في الحِمى عقدوا اجتماعا

وبَارَى بالحِصان يَخُوضُ حَرباً
جنى الأروحَ بها وشَرَى وباعا

وبَارَى بالحُسام يَفضُّ هَيْجا
ويَقطعُ جِيدَ مَن يَشْكو الصُّداعا

فمَن لي بالحِصان وسيف فذٍ
يُعيدُ الحق إنْ أرغى ومَاعا؟

أسِفتُ لِما أصابَ عِزازَ قومي
وقد حَذقوا التخاذلَ والصِّراعا

وكم ناصحتُ بالأشعار أرجو
شَرافتهم ، فلم أجدِ اسْتماعا

أريدُ لأمتي نصراً عزيزاً
يُجنبها الدَّغاول والوجاعا

ويختصر الطريق إلى عُلاها
بصدق ليس ينتظمُ الخِداعا

هو التقصيرُ أوهن كلَّ بأس
وصيَّر أمتي نهباً مُشاعا

فللقرآن ما كان اتباعٌ
ودين الله لم يجد اتباعا

وما استنتْ بسُنة من هداها
فقد شَبعتْ مُروقاً وابتداعا

وجُوهرَ بالمعاصي الهوج ربٌ
ومجدُ الأمة الشهباء ضاعا

ومُورسَتِ الكبائرُ باقتناع
كذا التغريرُ قد لقيَ اقتناعا

وشُرعِنتِ الوسائلُ للتدَني
وما لفظتْ ضمائرُنا اشتراعا

وما انتفعتْ بنصح أو رشادٍ
وبالتوجيه قد أبتِ انتفاعا

وما ادَّرعَتْ بما يَحمي عُراها
وبالإسلام لم تُبدِ ادِّراعا

وما اطلعتْ على سُنن غوال
يُعز بهن من يهوى اطلاعا

وما اعتبَرتْ بتاريخ تولى
وما كانت حقائقه اصطناعا

وما احتجَبَتْ عن الأذهان يوماً
ومَن يُلقِي على شَمس قِناعا؟

وما اخترع الدعاة نصوص سِفر
ويأبى السِّفرُ غشاً واختراعا

سيشهدُ بعدُ غربلة ونخلاً
وإن يقرأ فلن يلقى سماعا

فهل عَودٌ ليَرأبَ كلَّ صَدع؟
فكم من عَودةٍ مَحَتِ انصِداعا

فعودتها إلى الرحمن فرضٌ
وإن يك عَودُها المأمولُ باعا

تقربُها بهذا الباع حسنى
لتلقى قربة المَولى ذِراعا

وفي الجبَّار لم يُقطع رجاءٌ
وفي أعدائه انقطعَ انقطاعا

يَمينا سوف تنحدِرُ الرَّزايا
وسوف نقولُ للبلوى: وداعا

وتُشرقُ شمسُ أمتنا قريباً
وكلُّ مُوَفق سَيرى شُعاعا

وبالأشعار نُتحِفها تحايا
على القِرطاس تحتضِنُ اليَرَاعا

نعوِّضها الذي أضنى قواها
وأسكنها من التغريب قاعا

وأخرَها عن الأمجاد زالتْ
كما الأشجار تُقتلعُ اقتِلاعا!

مناسبة القصيدة

(لا شك أن نص عنترة بن شداد العبسي قد استهوى كثيراً من الشعراء وحاز على إعجابهم ، وتعتبر من عيون شعر العرب! ولما طالعته غير مرةٍ صممتُ على أن أعارضه معترفاً بالواقع البائس ومتفائلاً بتغييره في القريب العاجل! لقد تغير كل شيء من حولنا! وما أظن عنترة لو كان موجوداً في عصرنا أن يبدع الإبداع ذاته أو يبلي البلاء الذي أبلاه في زمان الجاهلية! لقد كانت بيئة عنترة البسيطة مساعدة على الإبداع وإظهار المهارات وإرواء الملكات وتقديم الكفاءات وتأخير الأقزام! لقد كانت بيئة حافزة على إبراز أهل المواهب! إن الواقع المعاصر الذي نعيش فيه اليوم ، عالمٌ رقمي سريع يتسم بالتقدم التكنولوجي الهائل ، والعولمة المستمرة ، والتغيرات الاجتماعية المتسارعة! ونشعر فيه وكأن العالم كله قرية واحدة رغم تباعد المسافات وتنائي الأقطار. فالجانب التكنولوجي متمثلاً في انتشار الإنترنت بكل تفاصيل الحياة اليومية ، وثورة الذكاء الاصطناعي التي تغير شكل العمل والتعلم ، وسرعة تدفق المعلومات وصعوبة التحقق من صحتها دائماً ، والاعتماد الكلي على الهواتف والأجهزة الذكية! كل هذه الأشياء والتقنيات تزيد من تعقيد المشهد! والجانب الاجتماعي والنفسي ، وطغيان التواصل الرقمي على حساب اللقاءات المباشرة ، والشعور بالسرعة والضغط المستمر في إنجاز المهام ، وانتشار ثقافة الاستهلاك وشراء السلع غير الضرورية ، وتحديات الهوية بسبب الانفتاح الثقافي والمعرفي الواسع بين الشعوب ، كل هذه الأشياء تزيد كذلك من صعوبة الحياة وتردي الجانب الأخلاقي للأسف! ناهيك عن الجانب الاقتصادي ، حيث تترابط الأسواق العالمية بتأثرها السريع والمرتبط بالأزمات ، يمثل عبئاً كبيراً على عقليات الناس وفهومهم! وظهور وظائف جديدة واختفاء وظائف تقليدية قديمة ، وسهولة التجارة الإلكترونية وعمليات الشراء عبر الشبكات ، أيضاً من المعوقات والمخذلات عن بلوغ أسمى الغايات والأمنيات! وإذا برحنا هذا الجانب الواقعي المعاش ، وحللنا الواقع الشرعي الذي كان ينبغي أن يسيطر على المشهد ويمده بالحلول والعلاجات ، نرى أن المعاصي والموبقات قد أجهزت على البقية الباقية من القيم والأخلاق! ونترك عصرنا ونعود لعنترة! يقول عنترة في مستهل قصيدته:- إِذا كَشَفَ الزَمانُ لَكَ القِناعا وَمَدَّ إِلَيكَ صَرفُ الدَهرِ باعا فَلا تَخشَ المَنيَّةَ وَاِلتقيها وَدافِع ما اِستَطَعتَ لَها دِفاعا ويستمر عنترة في مدح نفسه وسيفه وحصانه وتجلده في الحرب وخوضه الهيجاء إلى أن يختم درته الشعرية بقوله متفاخراً بنفسه ومعتداً بها بين أقرانه:- أَنا العَبدُ الَّذي خُبِّرتَ عَنهُ وَقَد عايَنتَني فَدَعِ السَماعا مَلَأتُ الأَرضَ خَوفاً مِن حُسامي وَخَصمي لَم يَجِد فيها اِتِّساعا إِذا الأَبطالُ فَرَّت خَوفَ بَأسي تَرى الأَقطارَ باعاً أَو ذِراعا وكنت أتمنى أن أفاخر بنفسي وبما أدين الله به مثلما فعل عنترة بنفسه وبحصانه وبسيفه وبقبيلته وبأقرانه! ولكن للأسف! كيف أفاخر وأفتخر وقد تخلفتُ عن بلوغ الأماني وتحقيق الأحلام؟! وقد قلِب لي ظهر المجن! فما أمتي بالتي أعرف من خلال التاريخ! ولا واقعي يساعدني على الفخر والتفاخر للأسف الشديد! ومصيبتي في أتباع شرعتي ودربي أشد وأقسى! فلقد نجح الأعداء في ضرب صفهم من داخله! ونجحت الفتن وفازت الدسائس وأفلحت المؤامرات! فها هو الصف يحقق ما حذر الله تعالى منه بقوله: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) ، لقد قضى التنازع على كل آصرة! وأودى الفشل بكل رابطة! وأصبحنا أمماً شتى وفرقا متناحرة! ولم يعد العدو يخشى لنا بأساً ولا هيبة! ومن هنا جاءت قصيدتي منصبة على واقع أمتي! ليس فيها فخر ولا حماسة عنترة! بل فيها بكاء الأمة التي كانت ثم هانت ثم زالت!)
© 2026 - موقع الشعر