برقية يوسفية - أحمد علي سليمان

زها الشِّعرُ مُختالَ الخُطى يَنثني تِيها
يَزفُّ تحايا القلب طابَتْ ويُطريها

ويُغضِي حَياءً في مناسبةٍ زكَتْ
ويُزجي ترانيماً سَمَتْ في تناغيها

ويُتحِفُ أسماعاً ليَبلوَ حَسَّها
ويَمنحُها الأنغامَ جُوداً وترفيها

يُسَلّي نفوساً ترتقي إنْ تذكرتْ
ويُرسِلُ تذكيراً يُوَعِّي ، وتنبيها

ويسْمو بها إنْ غلّبَتْ بعضَ طيْشِها
يُسَفهُ ما جاءتْ تُلاحِيهِ تسْفيها

وما الشِّعرُ إن لم تصْطحِبْه كرامة
بها يَرفعُ الأخلاقَ سَمْتاً ويُعليها؟

وما نفعُ شِعر ليس فيه مَواعِظ
تُفطنُ ألباباً تدَنتْ ، وتَهديها؟

وبئس القوافِي لم تقدِّمْ نصائِحاً
وما وَجَّهت للخير والحَق توجيها

فيا ليت شِعري كم ترَدَّتْ قصَائدٌ
وما نُزهَتْ عن حَمأة السُّوء تنزيها

ويا ليت شِعري كم تسامتْ قصائدٌ
فحاز الهُدى بين المَخاليق تاليها

وسائلْ عن الأقوام بالشِّعر أولِعوا
فريقين: أفذاذاً وبُلهاً مَعاتيها

ل (يوسفَ) جئنا نُشْهرُ الفرْحَ طابَعاً
مُناسبة هذي تجلتْ مَرامِيها

نشاركُ فيها عن يَقين ، ونجتني
يَواقيتَ وُدٍّ باعثُ السَّعد يُمْليها

نُهنِئُ نِبراساً ، نباركُ عُرسَه
ونُهدِي تهانينا قِرىً يَنثني تِيها

نباهي بهذا العُرس أهلاً وصُحبة
ودُوراً هُدَى الإسلام طوْعاً يُحَليها

تُعَظمُ وحْيَ الله ، تُعطِيه قدْرَهُ
وتشتاقُ للإيمان رُوحاً أزكِّيها

وهل رِفعة دون الهُدى في مَحِلةٍ؟
ألا إنه نورٌ سرى في دَياجيها

وهل عِيشة تحلو بدون استقامةٍ
دَعائمُها شِيدتْ بتشريع باريها؟

وهل يَحتفِي بالجاهلية صَالحٌ
وإن عَربَدَتْ دَهراً بأيدي مواليها؟

سلا القلبُ عنها ، لم يَشُقه بَريقها
وكابدَ واستغنى فزالتْ مَساويها

أراحَ مليكُ الناس منها عِبادَه
فما استحسنوها فاستبيحَتْ دَواعيها

فيا(يوسفُ) التقوى تمَسَّكْ بها تفزْ
وتُفلحْ وعِشْ عَفاً تُصِبْ من جَوازيها

أتينا إليك اليوم في خير مَحفل
وفي نفس كلٍّ واجباتٌ يُؤدِّيها

أنخنا ركاب السَّفْر في خير رحلةٍ
وبالأنفس الحَرَّى طقوسٌ تُهاديها

وأسعدت إذ طبقت شرع الهُدى أباً
يُجازيك بالأشعار دَفتْ قوافيها

حَضَرتُ وكلي غِبطة وسَعادة
هما فاقتا دُنيا البرايا وما فيها

سَطرتُ قصِيدي مُستعِيناً بخالقي
ونوَّهتُ بالتوفيق والنجْح تنويها

فخوراً بتطبيق لشرع مُطهر
يُقاسي من الأعداء كيداً وتشويها

بَرئتُ إلى الدَّيان مِن كل بدعةٍ
ولفظي صَريحٌ ما احتوى بعدُ تمْويها

وأشكو إلى الرحمن أشرَسَ فِتنةٍ
أراحَ الورى الجبارُ مِن شَرِّ أهليها

ومِن (كَفر سَعدٍ) جاء أهلٌ ورفقة
لهم طلعة ضاءتْ ، وطابتْ مَعانيها

ورُحتُ أجيلُ الطرفَ في العُرس باحثاً
عن الهزء والسُّوآى تبَدَّتْ لرائيها

فلمَّا أجدْ مِن مَعصياتٍ ولا أذى
كما قد ألِفنا مِن فِئام تُوالِيها

فليس اختلاط فيه تُوأدُ غيرة
ويُؤجَرُ عبدٌ في الأناسِيِّ يُبْدِيها

وما من زغاريدٍ تُخَيِّسُ عُرسَنا
وما قلتُ ما قلتُ شَكْلاً وتشبيها

وما للغنا قِسْط ، فهذا مُحَرَّمٌ
وما للترانيم استسِيغتْ مُغنيها

ولا عَرْضَ أزياٍ لغِيدٍ ليَصرفنْ
عن الطيبات اسْتُعذبتْ في مَجاليها

ولا (كُوشة) فيها العَروسان أجلِسا
وفيها وُرودٌ تصطفي أنفَ هاويها

ولا فرقة باعَتْ لإبليسَ دِينها
فصَدَّتْ عن الحُسْنى وطمَّتْ بَلاويها

ولا مِن كُوافير ، فتُدلي بدَلوها
وقصَّات شَعر خُيبتْ مَن تُسَوِّيها

تدَرُّجُ خصلاتٍ ، ووصْلُ جَدايل
وحَفٌ وقصٌ كي تُحَلّى نواصِيها

وتأطِيرُ وجْهٍ تأنفُ العَينُ شَوفه
ونمْصٌ وتصْفِيفٌ ولبْخ يُؤَذّيها

ولا سِيشنُ الضُلال في العُرس وَارداً
وتُخزي التصاويرُ السَّجايا وتُرْدِيها

فهل من دليل للتصاوير جُوِّزَتْ؟
فما للبَراهين اختفتْ؟ مَن يُجَلّيها؟

فوَفقَ ربُّ الناس عُرساً وأهلهُ
وهذي دُروسٌ تسْتمِي جَلتْ مَعانيها

بأرياف (مصر) لم نطبِّقْ مَثِيلها
ولا في نواديها ، ولا في بَواديها

نصَحْنا ، ولم تلق النصُّوحُ رُجُولة
وجُدنا بوعظٍ عَلَّ وَعظاً يُصَحِّيها

كأني بها ماتتْ ، وعافتْ بقاءَها
أو استبعدتْ عَيشاً بسُوآى ترَدِّيها

و(يوسُفُ) ليثُ العُرس أوصَى حبيبة
فصانت لِمَا أوصى حُدوداً تُراعيها

وطابَتْ بها نفساً ، ولم تتبعْ هوىً
فمَن مِثلها فيما أتتْ؟ مَن يُضاهيها؟

وأوصِيكما ، فلتسْتقيما تعبُّداً
لكي تُخمِدا فتنة تلظتْ مَآسِيها

تُصارعُ أقواماً ، فتمْحَقُ دِينهم
لهم قِصصٌ شَوهاءُ تُزري بحاكيها

فعِيشا بشرع الله أشرفَ عِيشةٍ
لكي تنجوا واللهِ مِن بلوى أعاديها

ولا تقرَبا للجاهلية مَوئِلاً
فكلُّ البلايا تُجتنى في تعاطيها

قنا سوف تفنى بل وسُوهاجُ مثلها
وذِكراكما تبقى طيوفاً نصافيها

شَبَبْنا وشِبنا ، والحياة شَدَتْ لنا
وكنا أمِناها ، فبتْنا نعزيها

فلا تأمَنا دُنيا ترُوحُ وتغتدي
فمَن أمِنَ الدنيا ثوى في مخازيها

ولا تصحبا يوماً بخيلاً مُقتراً
صَريع تخاريفٍ تسليهِ فيُدنِيها

حبيبة كُوني بالحليل رَفيقة
إذا أظلمتْ دنياه مَدتْ أيادِيها

ألا وسِّعي غزل الصُّيود لتغنمي
فإن شِباك الصَّيد لا تُدرَى عَواديها

وأوصِيكِ لا تستعجلي أيَّ قادم
مَقاديرُ مَولانا ستأتي خوافيها

وأدِّي حقوقَ الكلِّ لا تظلمي فتىً
وإني أرى الفضلى يَقيناً تُوَفيها

نصحتُكِ لو تدرين حُبي عَذرتني
وكل مَعاذيري دموعي تُغطيها

نصحتُكِ لو تدرين جَدوى نصيحتي
أفادتكِ إني صُغتُ كل الهُدى فيها

ألا في سبيل الله أحلى وَصِيةٍ
وهل مِن خيُور تُرتجى في تجافيها

وفي (يوسف الخير) الأماني تجَمَّعت
وكم تجْلبُ البُشرى لرُوح أمانيها

وظني به تحقيقُ أمنيتي غداً
وتشهدُ لي الأبياتُ بالحُبِّ ألقِيها

تقبَّلَ ربِّي الشِّعرَ بالوُدِّ خالصاً
قصائدُ أشعاري بناتٌ أرَبِّيها

وأرْعَى حُقوق الشِّعر ما دمت عائشاً
و(يوسفُ) مِن بعدي هُماماً سيَحميها

وبارك ربي في العَروس وأهلها
صَعيدِي بهم يَسمو وكم يَنثني تِيها

مناسبة القصيدة

(دار الفلكُ دَورته ، وما كان بالأمس حُلماً ، أصبح اليوم واقعاً! وشابَ الكبير ، وشبَّ الصغير! وتلك سُنة الله تعالى في خلقه! فسبحان من لا يبقى على ما هو إلا الذي لا إله إلا هو! وتبارك وتعالى من يُغير ولا يَتغير! وجاء اليوم الذي أبارك فيه لابني يوسف زواجه الميمون المحترم المبارك! ذلك الزواج الذي آثر صاحبه أن يجعله على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً وعملاً! وصمم على أن تكون مناسكه جميعاً من لحظة رؤية العروس حتى الدخول بها مروراً بالاتفاق والإعداد ، والأخذ والرد ، والمشاورات والمداورات ، والمحاورات والمناورات! وبين مد وجزر الكلام ، وبين جذب ولفظ العبارات ، شاء الله تعالى في الختام أن يتم على يوسف نعمته ، وينشر عليه رحمته! جعلتُ عنوان القصيدة: (برقية يوسفية) أبارك فيها الزواج شِعراً في قصيدةٍ هائية القافية على البحر الطويل ، وما أندر تجمُّع هذه القافية مع ذلك البحر في شعر العرب الغابرين والحاضرين! وما ذاك إلا لأثبت ليوسف وعروسه قدرهما! والحمد لله أنه من تصاريف القدر الجميلة أن يكون أصل العريس من سوهاج ويكون أصل عروسه من قنا! وهذا يعني أنهما من أنبل وأجمل وأطيب مدن الصعيد!)
© 2026 - موقع الشعر