أبو نواس بين المجون والتوبة - أحمد علي سليمان

دَعني ألومُك ، نارُ اللوم شَعواءُ
وما لها في شِغاف القلب إطفاءُ

وهل تُداويك خمرٌ يا أخا سَلَم؟
إني مِن المَطلب الجَريء مُسْتاء

أراكَ وَصَّفتها توصِيفَ ذِي وَلع
بها ، فقلتَ لنا: كانتْ هِيَ الداء

أمُّ الخبائث ، والرَّحمنُ حَرَّمها
فهل يكونُ بها رِيٌ وإرواء؟

صَفراءُ تُهلِكُ مَن ترياقها شربوا
وإنَّ إدمانها عارٌ وبَلواء

تعساً لها ولإبريق ينوءُ بها
وغالَ شاربَها سُقمٌ وإعياء

جهلاً تُقارنها بالماء عن رَغب
إن الحياة يُجَلي أنسها الماء

تقولُ: في الخمر أنوارٌ تنير لنا
دُجى الدُّروب وفي السُّلاف أضواء

تقولُ: دارت على الفتيان دَورتها
فأقبلتْ غصصٌ معها وأرزاء

أبا نواس كفى تِيهاً وفلسفة
إن المعاصيْ بها تزولُ نعماء

فتُبْ إلى الله مِن سُوآى مُجاهرةٍ
تُزري ، وداهية تُشْقِيكَ دَهياء

أحرى بمِثلك أن يبقى بمسجده
يَستغفرُ الله كي تنجابَ أخطاء

ما أجملَ التوبَ تحدُوه طلاوتُه
وبابُ ربِّك مَفتوحٌ لمَن جاؤوا

وكَف ربِّك للعاصِين مُنبسِط
حتى يتوبوا إذا ما زال إغواء

والصُّبحُ يَشهدُ مَن عن غيَّهم صَدِفوا
ويَشهدُ التوبَ مِن أهليه إمساء

واللهِ ما استويا توبٌ ومَعصية
كلا ، ولا اسْتويتْ قربى وإقصاء

وما اسْتوى القيظ والأنسامُ عاطرة
كلا ، ولا اسْتويا قحط وأنواء

أبا نواس أضعتَ العُمرَ في نزق
والصَّحبُ كان لهم في الهزل ما شاؤوا

والرَّاحُ أفقدَتِ العقولَ صَحوتها
وسُرَّ بالصُّحبة الرَّعناء أعداء

والسُّكْرُ أزهقَ أرواحاً ، فما انتبهتْ
وخَيَّمتْ فتنة كالحرب شعواء

لم تُبق مُسْكة رُشْدٍ في جنان فتى
وقادتِ الكلَّ نحو الضنكِ أهواء

واستسلمتْ فِئة للطيش راغبة
وهيمنتْ مِحنٌ كالليل سَوداء

والحق غابَ ، وعَمَّ القوم باطلهم
وناولتْ بأسَها الهدَّامَ هيجاء

والعُمرُ غالتْه فوضى فاسْتكان لها
وجَندلتْه عَذاباتٌ وضَرَّاء

والشِّعرُ غصَّ بما في القلب مِن فِكَر
وللتدَني أمَاراتٌ وأصْداء

إذ بات يهذي بلا كَلٍّ ولا مَلل
وقال رُجزاً له فحوى وسِيماء

دعا إلى مُنكر فجٍّ وحَذلقةٍ
لها رُموزٌ وألفاظ وإيماء

ورَوَّجَ الشرَّ في سِر وفي علن
شَدَتْ حواضِرُ بالسُّوآى وأفياء

أبئسْ بشِعر حَوى كُفراً وزندقة
والصالحون مِن المَخارف اسْتاؤوا

إذ عربدَ الشاعرُ المخمورُ في مَلأٍ
والسامعون له بكفرهم باؤوا

لِمَا أقروا الذي أملاه شاعرُهم
خابوا ، وخابَ خمَّارٌ وإملاء

ومدحُه الخمرَ بين الناس سربله
فكيف جاز له في الخمر إطراء؟

كانت دواءً لِمَا اعتراه مِن عِلل
وفي تناولها عَيٌّ وأدواء

وفكرَ الشاعرُ المَفتونُ في غده
وكيف طابَ له غيٌّ وظلماء؟

وأعمَلَ الفكرَ لمَّا شابَ مَفرقه
حتى متى فِتنٌ تُردِي ، وإغراء؟

وكيف لم يَنتهجْ دِيناً يَدينُ به
مع الذين مِن السَّكَرات ما فاؤوا؟

فتابَ توبة مَن بالذنب مُعترفٌ
على مَزالقه ما كان إغضاء

والدَّمعُ خَضَّلَ في المِحراب لِحيته
يَروي سَريرته ، وطابَ إرواء

وسطر الشِّعرَ يَرجو عَفو خالقه
وللقصائد أناتٌ وأنداء

فاغفرْ له ربنا ما كان مِن زلل
كلُّ ابن آدمَ رغم الحِرص خطاء!

مناسبة القصيدة

(شخصية أبي نواس شاعر الخمر وشاعر التوبة ، تستوقف كثيراً الشاعر والكاتب والمؤرخ! وكان لي شرف دراسة هذه الشخصية الشاعرة! واخترت عنواناً يتمثل ماضي الشاعر وحاضره ومستقبله! فلاحت لي شخصية أبي نواس بين مجونها وتوبتها! والجدير بالذكر أنني ضربت الذكر صفحاً عن ذكر أبيات الخمر التي صاغها أبو نواس ، سواء في كلامي أنا في التقديم! غير أن القصيدة التي أعارض فيها أبا نواس هي خمرية من خمرياته! كان يفترض في الخمر علاجاً من الأدواء وأذكر منها قوله: دَع عَنكَ لَومي فَإِنَّ اللَومَ إِغراءُ وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ الداءُ صَفراءُ لا تَنزَلُ الأَحزانُ ساحَتَ لو مسها حجرٌ مسته سراء! من كف ذات حر في زي ذي ذكر لها محبان لوطي وزناء واستمر أبو نواس في مدحه للخمر بأكثر من صورة ، مصراً على أنها دواء لما يعانيه وكان أن ختم بقوله - وقد لام من يوبخه ويندد بتطاوله وترويجه للتداوي بالخمر وقد حرمها الله - فقال: حاشا لدُرة أن تبنى الخيامُ لها وأن تروح عليها الإبْلُ والشاءُ فقل لمن يدعي في العلم فلسفة حفظت شيئاً ، وغابت عنك أشياء لا تحظر العفو إنْ كنت امرأ حرجاً فإن حظركه في الدين إزراء! وبعد دراستي لمرحلتي أبي نواس (المجون & التوبة) ، وبعد دراستي الواعية لنصه: (دع عنك لومي) ، رحت أعارضه بهذه القصيدة المتواضعة التي إن لم تبلغ جودة وجمال شعر أبي نواس فلها ولصاحبها شرف المحاولة! وعموماً الحكم لجمهور النقاد والمتخصصين والقراء!)
© 2026 - موقع الشعر