حرب تخضبها الدماء (محاكاة لعبد الحي) - أحمد علي سليمان

ما أجملَ الهيجاءَ نبضاً يَخفِقُ
وتبيتُ في الآفاق شمساً تُشرقُ

ما أجملَ الهيجاءَ تُفهمُ من طغى
أن الحقيقة نورُها يتألق

الثأرُ يَكوي ، والمكائدُ تصطلي
والمَكرُ بين يديه دَفَّ البَيرق

وتكالبتْ أممُ الأعادي في الوغى
ووطيسُها يُصغِي لبُوق يَنعِق

هي يا(ابن عبد الحي) ساحة مُلتقى
شبَّتْ جهالتُها ، وغابَ المَنطق

بين الضعاف وقد تعاظمَ ضعفهم
والمعتدين مِن الذين تحذلقوا

بين التقاة الأبرياء لهم جَوىً
والمجرمين وجرمُهم يَتحرق

والحربُ بين الكل فارَ سعيرُها
ومُسَعِّروها في المآل تفيهقوا

ورأيتُ بعضاً في المصائر غرَّبوا
والبعضَ في شأن المعارك شرَّقوا

تعساً لهذي الحرب أغرق شؤمُها
داراً بكتْ أصحابَها إذ أغرقوا

حربٌ تُخضبها الدماءُ عزيزة
بأكُف أعداءٍ عَتوا ، لم يُشفِقوا

كم هُدِّمتْ دُورٌ على سُكانها
وأوى الألى هربوا العَرا والخندق

كم أزهقتْ أرواحَ قوم عُزل
ودماؤهم فوق الثرى تتدفق

كم شردتْ شعباً ترفعَ ، ما ارعوى
لدغاول حِيكتْ بأعداءٍ شقوا

وإذا ترى الأطفالَ والأنقاضَ لم
تُمسكْ دموعاً في المصيبة تُهرق

وإذا ترى أتقى النساء قوانتاً
يبكين ما فعلَ البلاءُ المُحدق

حربُ الكرامة لم تضع أوزارَها
فالنارُ مُوقدة ، ويسعى الفيلق

هي يا(ابن عبد الحي) حَتمٌ لازمٌ
والمعجزاتُ بساحها تتحقق

في برِّها أو جوِّها أو بحرها
فيها أمورٌ لا تكادُ تُصدَّق

وإذا ترى الأنفاقَ تقذفُ باللظى
وشواظ نار يجتبيها الزورق

دعها تُطهرُ من خياس أرضنا
لتعود أرضاً بالطهارة تنطق

لتنال (كهفياتُك) الجاهَ الذي
أبياتُك الغرا به تتعلق

فذر الجبال ، وعُد لنا مستبشراً
بالنصر أنت لشكله تتشوق

الحربُ عَلمتِ الصغيرَ إباءَه
ليعيش معتزاً ، فلا يتملق

داعبْ قصيدتك التي سطرتها
روحُ القصيد على المدى لا تُزهق

صُورُ التفاؤل جمة ، فافخر بها
ونسيمُ عِزتها عطورٌ تعبق

ونقوشها شتى ، وشِعرُك زانها
والنص من زبد الكلام منسق

وعلى (جدار الحرب) زينتُها بدتْ
مثل اللآلئ زانها الاستبرق

آمنْ بأن الله منجز وَعدِه
والخيرَ آتٍ ذات يوم يُغدق

والميتون اليوم يولدُ غيرُهم
فالله مَن يهب الأنامَ ويرزق

ولسوف نبني ما الأعادي هدَّموا
ونصيرُنا وظهيرنا مَن يَخلق

مناسبة القصيدة

(حاكيتُ الشاعرَ القديرَ أحمد عبد الحي في قصيدته الطيبة المباركة التي عنوانها: (نقوشٌ على جدار الحرب! وذلك لِما لمستُ في الأستاذ الشاعر من حَس مُرهفٍ وقدرةٍ فائقةٍ على التعبير! وأعلمُ أن نص الأستاذ يَفوقُ ما كتبتُه بمراحل ، ولكنه شرفُ المحاولة الذي يحدوني دائماً ، والفضلُ والسبقُ لمن سبق! وكان الأستاذ قد استهل قصيدته بالحَيرة فقال:- من أين أبتدئ الكلام وأنطِق؟! أو كيف أنظم دُرتي وأنمق؟! وبأي قافيةٍ أصَففُ بيتها وبأي لحن يستجيبُ المنطق؟! ويستمر الشاعر في وصف الحرب ، وبين فظاعتها وآلام أهل أرض الرباط المباركة ، راسماً صورة للتفاؤل بمستقبل عظيم تعجز الكلمات عن تصويره ، فيقول:- ما عدتُ تغريني الحروف لأنها كتبتْ لشاردةٍ وباتت تزهق فخلعتُ من لغتي الكلام ، وربما تعبَ الكلامُ من الكلام ويرهق! والحقيقة أن النص في حقيقته سُلوانٌ لأهل عزة المساكين الذين خذلهمُ القاصي والداني! فلهم الله تعالى الغالب القاهر فوق عباده ، والله أشدُّ بأساً وأشدُّ تنكيلاً! والآن نعيشُ مع نصِّنا!)
© 2024 - موقع الشعر