يُتْمُ

لـ عقيل بن أحمد آل بشكور، ، في الرثاء، 25، آخر تحديث

يُتْمُ - عقيل بن أحمد آل بشكور

طَالَ الْوُقُوفُ حَتَّى تَثَاءَبَتِ الرُّبَى
وَقَدِ اشْرَأَبَّ الْأُفُقُ مُلْتَمِسًا نَبَا!

أَأُطِيلُ وَقْفِي وَالعِتَابُ تَصَلَّبَا؟
أَمْ أَنَّ بَابَكَ بِالغِيَابِ تَغَرَّبَا؟

هَذَا المَكَانُ، وَكَانَ يَجْمَعُ شَمْلَنَا
مَا عَادَ يَعْرِفُ كَيْفَ يَجْمَعُ مَوْكِبَا

وَالصَّمْتُ بَعْدَكَ لَمْ يَعُدْ صَمْتًا، وَقَدْ
أَضْحَى الفَرَاغُ عَلَى الجِدَارِ مُذَهَّبَا

حَتَّى الْمَقَاعِدُ، وَهْيَ حَوْلَكَ، أُقْفَرَتْ
فَكَأَنَّهَا نَسِيَتْ يَدَيْكَ لِتَحْصَبَا

لَكِنَّنِي لَمَّا دَنَوْتُ رَأَيْتُهُ
بَابًا يُفَتِّشُ عَنْ خُطَا مَنْ غُيِّبَا

اليَوْمَ أَطْرُقُهُ، وَلَكِنْ مَا بِهِ
إِلَّا سُكُونٌ يُرْدِ عَيْنِيَ مَرْقَبَا

خَابَتْ طَبَائِعُ كُلِّ شَيْءٍ وَانْثَنَى
وَجْهُ الزَّمَانِ عَنِ الصَّوَابِ فَأَجْنَبَا

مِنْ أَيْنَ يَنْهَضُ فِي الرَّمَادِ سَنَابِلٌ
وَالْمَوْتُ أَمْعَنَ فِي الْحُقُولِ تَخَرُّبَا؟

مَا عُدْتُ أَسْأَلُ عَنْ رَبِيعٍ غَادِرٍ
لَكِنْ أُسَائِلُ كَيْفَ عَادَ لِيُخْصِبَا؟

مِنْ أَيْنَ يَضْحَكُ فِي الضُّلُوعِ أَنِينُهَا
حَتَّى كَأَنَّ عَمِيقَ بُؤْسِيَ مُطْرِبَا؟

إِنِّي رَأَيْتُ الْحُزْنَ يَلْبَسُ بَهْجَةً
فَخَشِيتُ أَنْ يَغْدُو السُّرُورُ مُعَذَّبَا

مِنْ أَيْنَ يَا"بَشْكُورُ" يَشْتَعِلُ النَّدَى
وَيَذُوبُ فِي كَفِّ الصَّبَاحِ مُشَبَّبَا؟

مِنْ أَيْنَ يَسْتَبْقِي الْجَلِيدُ حَرَائِقًا
وَيَعُودُ بَرْدُ الرُّوحِ جَمْرًا مُلْهِبَا؟

حَتَّى الطَّبِيعَةُ قَدْ تَبَدَّلَ طَبْعُهَا
لَمَّا رَأَتْ قَلْبِي الْكَسِيرَ مُقَلَّبَا

أَمِنَ الْحَقِيقَةِ مَا أَرَاهُ، أَمِ الرُّؤَى
لَبِسَتْ عَلَيَّ مِنَ الضَّلَالِ مُهَذَّبَا؟

أَأَرَى الزَّمَانُ كَمَا عَهِدْتُ، أَمِ انْطَوَى
عَهْدُ الطَّبَائِعِ، وَاسْتَحَالَ تَقَلُّبَا؟

خَانَتْ طَبَائِعُهَا الْعَنَاصِرُ كُلُّهَا
وَاسْتَوْحَشَتْ مِمَّا اعْتَرَاهَا الْكَوْكَبَا

حَتَّى السُّهُولَةُ إِنْ دَنَوْتُ لِحَدِّهَا
وَلَدَتْ مِنَ الْأَبْوَابِ بَابًا مُصْعَبَا

أَمَّا الْعَسِيرُ إِذَا رَجَوْتُ يَسارهُ
أَبْدَى لِعَيْنِيَ وَجْهَهُ الْمُسْتَرْهِبَا

وَدَهَاهُمُ رَيْبُ الزَّمَانِ فَأَقْفَرُوا
وَالْيَوْمُ كُلٌّ لِلْمَنُونِ تَأَهَّبَا

مِنْ أَيْنَ يَا "بَشْكُورُ" يَبْتَسِمُ الْأَسَى
وَالْجُرْحُ أَوْرَثَ فِي الضُّلُوعِ تَشَعُّبَا؟

قَالُوا: لَدَى "بَشْكُورَ" بَلْسَمُ عِلَّةٍ
إِنْ ضَاقَ صَدْرُ الْمَرْءِ أَوْ قَدْ أُتْعِبَا

وَأَتَيْتُ لَا مُسْتَجْدِيًا رَدًّا بِكَ
فَالْتُّرْبُ يَعْرِفُ كَيْفَ يُخْفِي الْمُغْرَبَا

مَاتَ الَّذِي كَانَتْ إِذَا ضَاقَتْ بِنَا
سُبُلُ الْحَيَاةِ يُرَى الْهُدَى مُتَسَرِّبَا

كُنَّا إِذَا ضَاقَتْ جِهَاتُ مَسِيرِنَا
وَجَدَتْ خُطَانَا فِي خُطَاكَ الْمَهْرَبَا

الْيَوْمَ تَمْشِي الدَّارُ وَهْيَ غَرِيبَةٌ
وَتَظُنُّ أَنَّ الْبَابَ صَارَ مُحَجَّبَا

بَابًا إِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيَّ مَسَالِكِي
أَلْقَى عَلَى دَرْبِ الْحَيَارَى كَوْكَبَا

يَا مَنْ إِلَيْهِ تُرَدُّ كُلُّ عَصِيةٍ
ضَاقَتْ بِهَا الْأَرْوَاحُ حَتَّى أُنْكِبَا

فَأَصْغِ إِلَيَّ، فَإِنَّ قَلْبِي لَمْ يَدَعْ
حِجْراً مِنَ الْأَحْزَانِ إِلَّا جَرَّبَا

مِنْ أَيْنَ يَا "بَشْكُورُ" يُورِقُ يَابِسٌ
وَالْغَيْثُ أَحْصَبَ وَالسَّحَابُ تَخَشَّبَا؟

وَافَيْتُ يَا "بَشْكُورُ"، قَبْرَكَ مُثْقَلًا
أَرْجُو الْجَوَابَ، فَهَلْ تَرَانِي مُذْنِبَا؟

مَا جِئْتُ أَشْكُو الدَّهْرَ، فَهْوَ كَمَا تَرَى
لَكِنْ جَفَانِي عِنْدَ فَقْدِكَ مَا صَبَا

يَا "وَالِدِي"، قَدْ جِئْتُ أَحْمِلُ أُمَّةً
مِنَ الْهَمِّ، لَا قَلْبًا أَتَى مُسْتَعْتِبَا

مَا كَانَ بَعْدَكَ "وَالِدٌ" يَا "وَالِدِي"
عَقِمَتْ أُبُوَّةُ هَذِهِ الدُّنْيَا... أَبَا!

قَالُوا: يُجِيبُ الصَّالِحُونَ وَإِنْ مَضَوْا
قَبْرًا، وَيُحْيِي الذِّكْرُ مَنْ قَدْ غُيِّبَا

مَا زِلْتُ بَعْدَكَ كُلَّمَا جَفَّ الْمَدَى
بِفَمِي، أَتَيْتُكَ خَاشِعًا.. مُتَذَبْذِبَا

وَقَفْتُ عِنْدَكَ، وَالسُنُونُ عَوَابِسٌ
تَتْلُو عَلَى قَلْبِي الْأَسَى، كَيْ يَعْطَبَا

وَأَقُولُ: يَا "بَشْكُورُ" هَلْ مِنْ عَوْدَةٍ
لِأَرَاكَ فِي دَرْبِي الْحَزِينِ مُقَرَّبَا؟

مَا زِلْتُ أَطْرُقُ بَابَكَ الْمُسْتَعْصِيَا
لِلطَّارِقِينَ وَمَنْ أَتَاكَ مُخَيَّبَا

فَأَجَبْتُ نَفْسِي: كَيْفَ يَرْجُو سَائِلٌ
مَيْتًا، وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ الْمُغْيَبَا؟

أَلْقَيْتُ عِنْدَ تُرَابِ قَبْرِكَ حَاجَتِي
فَالصَّدْرُ بَعْدَكَ لَمْ يَجِدْ لِي مَنْكِبَا

كُنْتَ الْمَلَاذَ إِذَا تَعَقَّدَ مَأْزِقِي
وَالْيَوْمُ جِئْتُ الْقَبْرَ أَبْغِي الْمَأْرِبَا

مِنْ أَيْنَ يَا "بَشْكُورُ" يَنْهَضُ نَاطِقٌ
وَالصَّمْتُ شَدَّ عَلَى الشِّفَاهِ وَأَطْنَبَا؟

سَقَى اللَّهُ قَبْرَكَ رَحْمَةً وَسَكِينَةً
وَغَدَوْتَ فِي عَدْنِ الْجِنَانِ مُطَيَّبَا

مناسبة القصيدة

تندرج هذه القصيدة ضمن شعر الرثاء والفقد، وقد نظمها الشاعر في رثاء والده المغفور له ـ بإذن الله ـ أحمد عقيل أحمد آل بشكور، الذي انتقل إلى رحمة الله صباح يوم الخميس الموافق 13 جمادى الآخرة 1447هـ، وهو صائمٌ صابرٌ محتسبٌ، راضيًا بقضاء الله وقدره، بعد حياةٍ حافلةٍ بالبذل والكفاح وحسن السيرة. وتجسد الأبيات مرارة الفراق ولوعة اليتم بعد رحيل الأب، وتصور وقوف الشاعر على عتبات الذكريات وأمام مثوى والده الأخير، مستحضرًا ما كان يمثله من رحمةٍ وحنان، ومن سندٍ وعونٍ وملاذٍ آمنٍ في الشدائد والخطوب. كما تعكس القصيدة حالة الانكسار التي أعقبت رحيله، وكيف تبدلت معالم الحياة في عين الشاعر، واستوحشت الديار، وخفتت الأصوات التي كانت تملأ المكان دفئًا وأنسًا. وتتنقل الأبيات بين استدعاء مآثر الوالد وخصاله الحميدة، وبين التأمل في قسوة الغياب وأثره في النفوس، حتى تغدو القصيدة سجلًا للوفاء والبر، ولوحةً وجدانيةً صادقةً يمتزج فيها الحنين بالدعاء، والأسى بالرضا، والحزن بالإيمان، في رثاءٍ يخلّد ذكرى أبٍ كريمٍ رحل عن الدنيا تاركًا في قلوب أبنائه وأهله أثرًا لا يزول وذكرًا طيبًا لا يُنسى.
© 2026 - موقع الشعر