عبد الباسط وقراءة ورش - أحمد علي سليمان

شيخ يَذودُ ، وهِمَّة تتكلمُ
وقراءة القرآن غضاً مَغنمُ

وشَرافة بالذكر فاحَ أريجُها
وتكلفٌ يَسْبي الحِجا وترَنم

وصناعة تهَبُ القلوبَ مَهابة
وقراءة سَمعتْ صَداها الأنجُم

والشيخ (عبد الباسط) اختصرَ المَدى
فأداؤُه للمُنصتين البَلسم

فتلا بحفص عالِماً ومُعَلماً
وتلى بوَرش فاستبانَ المَعْلم

وسل المصاحفَ أكمِلتْ حلقاتُها
فضلٌ حَباه المُستعانُ المُنعم

وسل الإذاعاتِ احتفَتْ وتشرَّفتْ
وأثيرُهن لِمَا يُذاعُ يُترجِم

ما ضَنَّ صاحبُنا بمَوهبةٍ سَمَتْ
وتلا روائعَها فمٌ يتبسَّم

سَلَّى وأمتعَ مَن أعارَ سماعَهُ
آياً تضمنَها الكتابُ المُحْكم

قالوا: تُسَجِّل للإذاعة مُصحفاً
هذا مِن الشيخ الجليل تكَرُّم

لكنْ بورش فالتزمْ بشروطها
فأجاب: ورشٌ في الرُّواة مُقدَّم

سَبعية كان النبي أقرَّها
صلوا عليه مُخاطبيَّ وسلموا

وأضافَ شرطاً ممكناَ تطبيقه
والحِرصُ مرتصدٌ ألا فلتعلموا

الشيخ (رزقٌ) مُشْرفٌ ومُوَجِّهٌ
فالضبط مَنشودٌ لمن يتفهَّم

فأتوه بالشيخ المُعظم شأنه
كل الذي يتلو الكتاب مُعَظم

واحتاج أسبوعين يتلو جاهداً
لمَّا يَعُقه تكاسُلٌ أو مَأزم

عجباً طريق (الأزرق) انصاعتْ لهُ
هو بالتلاوة بالقواعد مُغرم

فأتمَّها دُرراً تفيضُ تألقاً
يشدو بهن على الدوام مُتيَّم

وأشاد بالشيخ الجميعُ ودَشَّنوا
وبكل ما تهوى القلوب تكلموا

يا ابن الصعيد نشَرْت عِلمَك في الورى
والعِلمُ أفضلُ إنْ حَباهُ مُعَلم

أرمنتُ تفخرُ ، والصعيدُ ، ومصرُنا
بالشيخ يا أهلَ التلاوة فاعلموا

يا رب أكرمْه ، وأصلحْ شأنه
واشمَله يا رحمنُ فيمن ترحم

مناسبة القصيدة

(أن يُسجِّل قاريء بقدر عبد الباسط عبد الصمد المصحف كاملاً مرتلاً بقراءة ورش ، فهذا شيئ طبيعيٌ ومألوف جداً ولا غرابة فيه! ولكن أن يسجل القرآن الكريم كاملًا برواية ورش في ثلاثة عشر يومًا فقط ، فهذا مثار العجب وموئل الدهش ومنبع الاستغراب وهو أصلا غير مستعد! حيثُ فوجئ بهذا الطلب من الملك محمد الخامس ملك المَغرب حينئذ! ولما طلب منه تسجيل المصحف برواية ورش الشيخ عبد الباسط اشترط شرطاً يُثبت أنه وأقرانه كانوا يوقرون القرآن ويعظمونه في أحكامه وقراءاته! فالأمر ليس مجرد كلام يرددونه لينالوا الشهرة! والله أعلم بهم وبقلوبهم وبنواياهم! إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين! الشيخ عبد الباسط طلب من الملك محمد الخامس أن يدعوالشيخ رزق خليل حَبَّة شيخ عموم المقاريء المصرية حتى يشرف على أحكام التلاوة! طبعاً لو تكلمنا الكثير عن الشيخ رزق خليل حبة فلن نفيه حقه! ولكن يكفي أن نقول بأن هذا الرجل عمل مدرساً بمعهد القراءات الثانوي بالخازندار في شبرا بمحافظة القاهرة ، ثم مفتشاً على مستوى الجمهورية من 1969م حتى 1979م. وعين شيخاً للمقارئ المصرية سنة 1981م لشؤون المقرئين والمحفظين ، ثم شيخاً لعموم المقارئ المصرية سنة 1989م خلفاً للشيخ عامر السيد عثمان. كان الشيخ عضواً بلجان تصحيح المصاحف ، ولجنة اختبار القراء بالإذاعة المصرية! وبعد أن وصل الشيخ رزق خليل حبه إلى المغرب وعرف بالموضوع قال للشيخ عبد الباسط: الختمة القرآنية المباركة الطيبة لها شأنها ، وأقل مدة تحتاجها كاملة ست شهور! وأنت أدرى بكل هذا يا شيخ عبد الباسط! ولكن الملك شجع الشيخ عبد الباسط وقال له: أنت لها يا شيخ عبد الباسط! وانطلق الشيخ في تلاوة القرآن برواية ورش من طريق الأزرق وهي من أصعب طرق ورش من حيث المدود والأحكام بهذه الرواية التي تحتاج إلى جهد وصبر وأراد الله أن ينهيها في ثلاثة عشر يومًا فقط! فماذا قال الشيخ رزق خليل حبة بعدها عن الشيخ عبد الباسط؟ قال بالنص: هذا الشيخ رجل (مُعجزة) لأنه جمع بين الإتقان وجمال وحلاوة الأداء!)
© 2026 - موقع الشعر