علماء أتلفوا كتبهم - أحمد علي سليمان

للعِلم عند ذوي التقدير إجلالُ
وهُم وأهلُ الهُدَى في الوزن أمثالُ

لا يَقْدُرُ العِلمَ إلا كلُّ ذي رَشدٍ
له إلى العِلم أسفارٌ وتِرحال

ولم يزل علماءُ الأرض سادتُها
بهم تُحَققُ أحلامٌ وآمال

يُعَلمون وهل كالعِلم مَكْرُمة
ويُغدقون لهم بذلٌ وأنوال

وكم يُرَبُّون مَن ضَلوا أو انحرفوا
واللهُ يعلمُ ما خطوا وما قالوا

حتى إذا كتبوا طارتْ صحائفهم
منها استفادتْ رجالاتٌ وأجيال

والبعضُ أكثرَ ، والقليلُ ما كتبوا
وسامرَ البعضَ إكثارٌ وإقلال

والبعضُ أتلفَ أسفاراً وضاق بها
ذرعاً ، وكان لها في الناس إقبال

وكم تساءلتُ في سِر وفي علن
وداعبَ الذهنَ تفكيرٌ وتسآل

فيم التخلصُ مِن كتب محققةٍ؟
وجُلُّ مَن كتبوا الأسفارَ أبطال

فعالمٌ يَحرقُ الأسفار عن رَغب
لديه في حرقها جَمرٌ وأنكال

وعالمٌ يُغرقُ الأسفارَ في نهَر
وقد حوتْ دُرراً فأين لآل؟

وعالمٌ في هزيع الليل يُتْلفها
بالزيت يَسكبُه ، وساء منوال

وعالمٌ في الدجى عمداً يُمَزقها
ولا يُعرقلُ ذا التمزيق إمهال

وأمرُهم في الذي أتوْا به فرط
إن الكتاب له حبٌ وإجلال

قالوا: خشينا التباهي لا يليقُ بنا
أو الرياء ، فذا مُردٍ وقتال

قالوا: نخافُ نفاقاً في مقاصدنا
كم بالنفاق خبتْ قوىً وأعمال

وقيل: نشفِقُ مِن تحريف مَن جهلوا
كم حَرَّفَ العِلمَ حُسَّادٌ وجُهال

نيَّاتُهم عند ربِّ الناس عالمِها
والجُودُ والبذلُ والمجهودُ والمال

والأجرُ مُدَّخرٌ ، لا لن يَضيع سُدىً
ولن يكون لِما أسْدَوهُ إهمال

مناسبة القصيدة

(هل تصدق أن من العلماء من أحرق كتبه أو مزقها أو دفنها في الأرض أو ألقاها في البحر؟ ولم يكن هذا لجهلٍ أو خوفٍ من سلطان ، بل لأسبابٍ علمية وتربوية وروحية! منها: خشيتهم من الدسّ والتحريف في كتبهم بعد وفاتهم! ومنها: إحساسهم بعدم إخلاص النية عند التأليف أو التعليم! ومنها: الزهد والتنسك واعتقادهم أن الكتب قد تجرّهم إلى الشهرة! ومنها: التحفّظ من التصحيف في النقل خاصة من غير أهل العلم! ومنها: مخافة انتشار أمور مدسوسة لم يستطيعوا ضبطها! وإليك بعضًا من هؤلاء العلماء الأئمة رحمهمُ الله أجمعين: فهذا عروة بن الزبير (ت 93 هـ) ، وأحد الفقهاء السبعة صنف كتبًا في الفقه ثم أحرقها يوم الحرة! راجع: سير أعلام النبلاء (426/4) وقيل: محاها (436/4)! وهذا أبو عمرو بن العلاء (ت 154 هـ) ، وكان من قراء القرآن السبعة أحرق كتبه ، راجع: سير أعلام النبلاء (408/6). وأبو حيان التوحيدي (ت 400 هـ) ، الأديب المشهور أحرق كتبه ، راجع: الأعلام (326/4). ومحمد الأمين الشنقيطي (ت 1393 هـ ، صاحب أضواء البيان ، نظم ألفية في النسب قبل البلوغ ثم دفنها ، راجع: آثار الشيخ الشنقيطي - طليعة أضواء البيان (34/1). والإمام الماوردي (ت 450 هـ) ، لم يُظهر شيئًا من تصانيفه في حياته ، راجع: سير أعلام النبلاء (64/18). وإسحاق بن راهويه (ت 238 هـ) دفن كتبه ، راجع: سير أعلام النبلاء (372/11). وسفيان الثوري (ت 161 هـ) قيل: أحرقها أو دفنها أو مزقها ، راجع: سير أعلام النبلاء (242/7) (267/7-268) ومعجم الأدباء (1931/5). وأبو سليمان الداراني (ت 215 هـ) أحرق كتبه ، راجع: معجم الأدباء (1931/5). وابن فروخ مجاهد بن موسى (ت 244 هـ) أتلف كتبه ، راجع: سير أعلام النبلاء (496/11). ويوسف بن أسباط (ت 200 هـ) دفن كتبه ، راجع: سير أعلام النبلاء (171/9). وعبد الله بن المبارك (ت 181 هـ) دفن كتبه وكان يحج عامًا ويغزو عامًا ، راجع: سير أعلام النبلاء (372/11). والحافظ ابن الحافي (ت 227 هـ) أحرق كتبه ، راجع: تاريخ بغداد. وداوود الطائي (ت 163 هـ) ألقى كتبه في البحر ، راجع: البداية والنهاية (149/10). وأبو سعيد السيرافي (ت 368 هـ) أوصى ابنه أن يحرق كتبه ، راجع: معجم الأدباء (1931/5). ومحمد بن العلاء (ت 248 هـ) أوصى بدفن كتبه) راجع: سير أعلام النبلاء (396/11). وشعبة بن الحجاج (ت 160 هـ) أوصى بغسل كتبه وقيل دفنها ، راجع: سير أعلام النبلاء (213/7) تقييد العلم (ص 62 تحديداً)! فلما وقفتُ على هذه الأخبار الموثقة رأيت أن أصف ذلك شعراً في قصيدةٍ متواضعة بسيطة! وإن كنتُ لا أختار ذلك المسلك للعلماء! ذلك أن ترك العالم لعلمه ، والأديب لأدبه ، والشاعر لشعره ، والكاتب لكتابته ، بنية أن ينتفع بها من بعده من المروءات والواجبات المتحتمات! هذا إن كانت إرثاً طيباً مباركاً يحض على الخير ويُقنط من الشر ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر! فلو فعل المفسرون والقراء والمحدثون هذا بكتبهم وتراثهم ، لما استقام لنا دينٌ صحيحٌ اليوم! ومن هنا كان اهتمامي بالسليمانيــات!)
© 2026 - موقع الشعر